afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

صرخة ضمير حي: ضحايا المهد والشارع.. ما ذنب الطفولة البريئة؟

بقلم: الأستاذة فاطمة الزهراء اصويلح – فاعلة جمعوية

في زحام الحياة اليومية، وبين تفاصيل التقارير الإخبارية والجمعوية، تطالعنا بين الحين والآخر مشاهد مؤلمة تفطر القلوب وتدمي الضمائر؛ مشاهد لرضع أبرياء يُلقى بهم على قارعة الطريق أو بجانب جدران مظلمة، وكأنهم عبء ينبغي التخلص منه.

إن ظاهرة الأمهات العازبات وما يرافقها أحياناً من حالات التخلي عن المواليد، إلى جانب العلاقات غير المسؤولة بين المراهقين التي تُغلّف زوراً بمفهوم الحب، أصبحت واقعاً اجتماعياً وإنسانياً يستدعي منا جميعاً وقفة جادة ومسؤولة.

إننا نكتب اليوم لا من أجل جلد الذات أو توجيه الاتهامات، وإنما لقرع ناقوس الخطر وتوجيه نداء عاجل إلى كل صاحب ضمير حي، من مسؤولين وقادة رأي ومكونات المجتمع المدني، من أجل حماية الطفولة وصون كرامتها.

مفارقة مؤلمة: أين الحب في التخلي؟

من المؤسف أن يُختزل مفهوم الحب العفيف والبناء في نزوة عابرة بين مراهقين غارقين في جهل العواقب وغياب التوجيه، لتنتهي تلك النزوة بمأساة صامتة يدفع ثمنها طفل لا حول له ولا قوة.

فأي حب هذا الذي يقود إلى التخلي عن طفل وتركه يواجه مصيراً مجهولاً، وحيداً أمام قسوة الشارع والبرد والخوف؟

إن التخلي عن مولود بريء لا يمكن أن يكون حلاً، بل هو هروب من المسؤولية، بينما يتحمل الطفل وحده نتائج أخطاء لم يكن له أي ذنب فيها. فهو لم يختر ظروف ولادته، ولم يطلب أن يأتي إلى عالم يجد فيه نفسه منذ اللحظة الأولى دون حماية أو احتضان.

ما ذنب تلك الروح البريئة؟

السؤال الذي ينبغي أن يتردد في كل مجتمع حي هو: ما ذنب هذا الطفل؟

طفل جاء إلى الحياة دون أن يختار ظروفها، وقد يجد نفسه بلا اسم أو هوية أو دفء عائلي يحتضنه، محرومًا من أبسط حقوقه في الرعاية والأمان والحماية.

إنه طفل يدفع مبكراً ثمن أخطاء متعددة؛ أخطاء مرتبطة بضعف التوعية والتوجيه، وبغياب الحوار داخل الأسرة، وبعجز بعض المؤسسات الاجتماعية عن مواكبة ظواهر اجتماعية معقدة ومتغيرة.

وهنا لا ينبغي أن يقتصر النقاش على إدانة الأم أو الأب أو توجيه اللوم إلى طرف بعينه، بل يجب أن نتساءل أيضاً عن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع والمؤسسات المعنية في الوقاية والتأطير والحماية.

نحو حلول عملية وجذرية

بصفتي فاعلة جمعوية أعايش هذه المآسي عن قرب، أؤمن بأن إطلاق صيحات الاستنكار وحدها لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب حلولاً عملية ومستدامة، تقوم على تضافر جهود مختلف المتدخلين، ومن أبرزها:

1. تكثيف التوعية والتربية الأسرية والجنسية والأخلاقية
إدماج برامج التوجيه والإرشاد النفسي والاجتماعي في المؤسسات التعليمية ومراكز الشباب، بما يساعد المراهقين والشباب على فهم مسؤولية العلاقات الإنسانية، والتوعية بعواقب السلوكيات غير المسؤولة، بعيداً عن التخويف أو الوصم.

2. دعم مراكز الإيواء والجمعيات المختصة
توفير بيئة آمنة ودعم نفسي واجتماعي ومادي للأمهات في وضعية صعبة، ومساعدتهن على تجاوز الأزمات التي قد تدفع بعضهن إلى التخلي عن أطفالهن، مع توفير حلول قانونية وإنسانية تحفظ كرامة الأم وحقوق الطفل.

3. تعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للأطفال المهملين
تبسيط وتفعيل مساطر التكفل بالأطفال الموجودين في وضعية صعبة، وضمان حصولهم على الهوية والرعاية والتعليم والحماية، والعمل على محاربة الوصمة الاجتماعية التي قد تلاحقهم بسبب ظروف ولادتهم.

4. ترسيخ المسؤولية المشتركة
لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة من خلال مؤسسة واحدة. فالمسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني والجهات الحكومية، من أجل ترسيخ قيم المسؤولية والرحمة والاحترام وصون كرامة الإنسان.

الطفولة ليست مذنبة

إن إنقاذ طفل واحد من براثن الشارع ليس مجرد عمل إنساني عابر، بل هو حماية لمستقبل إنسان، واستثمار في مجتمع أكثر أمناً وتماسكاً ورحمة.

فلنجعل من حماية الطفولة مسؤولية جماعية، ومن أصواتنا درعاً يحمي الأطفال الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. فالأطفال لا ذنب لهم في أخطاء الكبار، ولا يجوز أن يكونوا الضحية الأسهل لظروف اجتماعية معقدة.

إنها صرخة ضمير قبل أن تكون مجرد قضية اجتماعية: احموا الطفل، أنصفوا الطفولة، وتحملوا المسؤولية قبل أن يصبح الشارع مأوى لمن كان يستحق أن يكون له بيت وحضن وأسرة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد