afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

المساران القانوني والتنموي: من ترسيخ الاستقرار المؤسسي إلى تعزيز الإشعاع الاقتصادي


في إطار مواصلة نشر الورقة المرجعية التي أعدها الدكتور مولاي بوبكر حمداني، رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية، والمختص في العلاقات الدولية، نقدم للقراء الجزء الثالث من هذه الدراسة المعنونة بـ”سبل تفعيل مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية”، وذلك بعد تناول المحاور الأممية والسياسية والدبلوماسية في الجزأين السابقين. يسلط هذا الجزء الضوء على الجانبين القانوني والتنموي باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في إنجاح النموذج المقترح.

الإطار القانوني والدستوري: ضمان الاندماج المؤسسي وتكريس الأمن القانوني

يُعد الجانب القانوني والدستوري حجر الزاوية في أي مشروع ذي طابع استراتيجي، لا سيما حين يتعلق الأمر بتفعيل صيغة الحكم الذاتي. إذ يُنتظر من الإطار الدستوري أن يُؤمِّن انسجام المبادرة مع البناء القانوني الوطني، بما يضمن سلاسة التطبيق ودوام الفعالية، ويحمي المشروع من أي تقلبات ظرفية قد تهدد استقراره.

وقد أرسى دستور 2011 بالمغرب أساساً صلباً لهذا التوجه، من خلال التنصيص على وحدة التراب الوطني والاعتراف بتعدد روافد الهوية المغربية. كما كرّس مبدأ “الجهوية المتقدمة” كنظام إداري قائم على التدبير الذاتي، والمشاركة المجتمعية، والعدالة المجالية، مما يوفر أرضية ملائمة لاستيعاب نظام حكم ذاتي خاص بجهة الصحراء في إطار السيادة الوطنية.

وتجدر الإشارة إلى أن المقترح المغربي لسنة 2007 أقر بشكل واضح إدماج هذا النظام في الوثيقة الدستورية، ما يعكس التزاماً سيادياً صريحاً بمنحه صفة قانونية عليا، ويحميه من أي تعديل إلا عبر مساطر معقدة لتعديل الدستور، وهو ما يرسّخ مبدأ الاستقرار والديمومة.

لكن تنزيل هذه الرؤية يستوجب التوافق السياسي على صياغة قانون تنظيمي خاص، يرسم معالم الحكم الذاتي بالصحراء بشكل دقيق، من حيث البنية المؤسساتية (برلمان جهوي، حكومة جهوية، أجهزة قضائية محلية…)، وآليات انتخاب هذه الهيئات، ومصادر تمويلها، إلى جانب الصلاحيات المسندة إليها في مجالات التنمية، الأمن المحلي، البيئة، الثقافة، والعلاقات الخارجية المحدودة.

ومن الضروري أن يحافظ هذا القانون على التوازن بين منح الجهة صلاحيات واسعة، وبين الحفاظ على وحدة الدولة واختصاصاتها السيادية في مجالات حيوية مثل الدفاع، السياسة الخارجية، العملة، الأمن القومي، والشأن الديني، كما تضمنته فقرات المبادرة المغربية. كما يجب أن يتضمن آليات رقابية دستورية وقضائية تضمن احترام القانون وحقوق الأفراد، وتفصل في النزاعات المحتملة بين الجهة والدولة المركزية.

إن وضوح الإطار الدستوري وملاءمته للمعايير الدولية المتعارف عليها في أنظمة الحكم الذاتي، يمثلان شرطين أساسيين لبناء الثقة والشرعية الداخلية والدولية، وتعزيز الجاذبية القانونية للمشروع.

الشق التنموي: نموذج تنموي شامل يرسخ الجاذبية ويحقق الاندماج

لا يمكن فصل البعد التنموي عن نجاح مبادرة الحكم الذاتي، إذ أن رفع جودة حياة المواطنين وتحقيق نمو اقتصادي مستدام يمثلان عامل جذب محوري لدعم الاستقرار وشرعنة الخيار الذاتي.

ومن هذا المنطلق، أطلقت المملكة المغربية، بتعليمات ملكية، “النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية” سنة 2015، كمخطط استراتيجي يهدف إلى تحويل هذه الأقاليم إلى فضاء اقتصادي حيوي يربط بين إفريقيا وأوروبا. وقد خُصصت له ميزانية ضخمة تقارب 8 مليارات دولار، موجهة نحو مشاريع هيكلية في البنية التحتية، الطاقات المتجددة، استغلال الثروات الطبيعية، والسياحة البيئية والثقافية.

ومن بين المشاريع الكبرى، نجد ميناء الداخلة الأطلسي، الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة، وتوسيع استخدام الطاقة الشمسية والريحية. كما تم إطلاق مشاريع في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم العالي والتكوين المهني، مما يرسّخ الدينامية الاقتصادية والاجتماعية ويعزز فرص التشغيل والتنمية.

الأهم من كل ذلك أن الدولة لم تكتف بتنفيذ مشاريع تنموية كلاسيكية، بل حرصت على خلق مؤسسات استراتيجية ذات طابع سيادي ومؤسساتي، بما يعزز من قابلية المنطقة لاحتضان نظام حكم ذاتي فعال. من بين هذه المؤسسات، نذكر افتتاح فرع جهوي لبنك المغرب بمدينة العيون، ما يعكس تعزيز السلطة النقدية ويضمن الاستقرار المالي في الجهة، فضلاً عن تعزيز البنية المصرفية لدعم النشاط الاقتصادي المحلي.

أما على المستوى القضائي، فقد تم إنشاء مجمعات عدلية حديثة ومتكاملة في العيون والداخلة، ما يضمن وجود بيئة قانونية مؤهلة لاحتضان النظام القضائي الجهوي المقترح، والعمل في إطار احترام التنظيم القضائي الوطني.

كل هذه المؤشرات تدل على أن المغرب لا يتعامل مع الحكم الذاتي كمجرد ورقة سياسية، بل كخيار وطني استراتيجي متكامل الأبعاد، يرتكز على مقومات قانونية وتنموية صلبة تمهّد الطريق لنجاحه واستمراره على المدى البعيد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد