
استكمالًا لنشر الورقة المرجعية التي أعدها الدكتور مولاي بوبكر حمداني، المتخصص في العلاقات الدولية ورئيس مركز التفكير الإستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية، على أجزاء، وتحت عنوان: “مداخل تنزيل مبادرة الحكم الذاتي المغربية بالصحراء”، نضع بين يدي القراء الجزء الخامس الذي يتناول المدخلين المرتبطين بالهيئة الناخبة وتأهيل النخب.
يطرح تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، وخاصة في شقه المتعلق بإنشاء هيئات جهوية منتخبة (برلمان وحكومة جهوية) تتمتع بصلاحيات واسعة، مسألة حساسة ومعقدة من الناحية القانونية والسياسية والديمغرافية، وهي مسألة تحديد “الهيئة الناخبة”، أي مجموع الأشخاص الذين سيحق لهم المشاركة في انتخاب هذه الهيئات ومن ثم الاستفادة من الحقوق وتحمل الواجبات المرتبطة بنظام الحكم الذاتي.
الهيئة الناخبة أو الجسم الشعبي الذي يحق له التعبير عن إرادته فيما يتعلق بمستقبل إقليم الصحراء بهذا المنحى تعد إحدى أكثر النقاط حساسية وتعقيدًا في صلب النزاع، سواء في سياق خطط التسوية السابقة القائمة على الاستفتاء أو في إطار النقاش الحالي حول تنزيل حل سياسي قائم على الحكم الذاتي. إن تحديد “من” له الحق في المشاركة في تقرير مصير الإقليم أو في انتخاب هيئاته التمثيلية المستقبلية ليس مجرد مسألة إجرائية، بل يمس جوهر مبدأ تقرير المصير نفسه ويطرح إشكاليات قانونية وسياسية وديموغرافية عميقة الجذور.

في هذا الإطار، يكتسب الإحصاء الذي أجرته السلطات الاستعمارية الإسبانية عام 1974 أهمية قانونية وتاريخية مركزية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها عند مقاربة مسألة الهيئة الناخبة. فهذا الإحصاء، رغم الانتقادات التي قد توجه لمنهجيته أو شموليته، يمثل اللبنة الأساسية والمرجع الرسمي الوحيد المتاح والمعترف به دوليًا لتحديد هوية السكان الذين كانوا يقطنون فعليًا في إقليم “الصحراء الإسبانية” عشية إنهاء الاستعمار الإسباني واندلاع النزاع.
استقر القانون الدولي المتعلق بتصفية الاستعمار، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات الجمعية العامة ذات الصلة، على أن الحق في تقرير المصير الخارجي، أي تحديد الوضع السياسي النهائي للإقليم، يعود للشعب الأصلي للإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي كما كان معرفًا وموجودًا في “التاريخ الحاسم”، أي لحظة انتهاء السيطرة الاستعمارية أو الفترة التي تسبقها مباشرة.
بناءً على هذا المبدأ، قامت الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء بموجب خطة التسوية لعام 1991، حيث أنشأت “لجنة تحديد الهوية” التابعة لبعثة المينورسو وكلفتها بمهمة تحديد هوية الأفراد الذين يحق لهم المشاركة في الاستفتاء، بالاعتماد على إحصاء 1974 الإسباني. واجهت هذه العملية صعوبات جمة وعراقيل سياسية، وكان أبرز أسباب تعثرها الخلاف العميق حول معايير الأهلية، ومحاولات إدراج أعداد كبيرة من الأفراد الذين لم تثبت صلتهم المباشرة والمستمرة بالإقليم قبل عام 1975.

في ضوء ما تقدم، برزت أهمية الحجة القانونية والسياسية بضرورة الحفاظ على نقاء وسلامة الهيئة الناخبة الأصلية المنبثقة عن إحصاء 1974 وذريتهم المباشرة، وعدم السماح بـ”إغراقها” أو “تمييعها” من خلال إدراج سكان من دول الجوار، حتى وإن تقاسموا الخصائص اللغوية أو القبلية مع السكان الأصليين. الانتماء الثقافي العابر للحدود لا يمنح تلقائيًا الحق في تقرير المصير السياسي لإقليم محدد له حدوده المعترف بها دوليًا.
سبق للمملكة المغربية أن عبرت عن هذا القلق، خاصة فيما يتعلق بالحديث عن “حق العودة”، حيث أكد السفير عمر هلال أن أي عملية للعودة يجب أن تستند إلى إحصاء 1974، محذرًا من التلاعب بالتركيبة السكانية للمخيمات عبر إدخال أفراد لا علاقة لهم تاريخيًا بالأقاليم الجنوبية.
وحيث إن الحق في تقرير المصير يخص السكان المرتبطين بالإقليم المعني تحديدًا، فإن توسيع نطاق الهيئة الناخبة بشكل مصطنع يشوه مبدأ تقرير المصير ويخدم أجندات سياسية لدول أخرى. كما يخلّ بالتوازن الديموغرافي الذي كان قائمًا عشية إنهاء الاستعمار، وهو ما يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
ومع التسليم بتطور مسار الأمم المتحدة نحو حل سياسي واقعي وقائم على التوافق، فإن أهمية إحصاء 1974 تظل قائمة كمرجع أساسي لتحديد “النواة الصلبة” للسكان الصحراويين. فحتى في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فإن قبول هذه المجموعة الأصلية لهذا الحل يعتبر شرطًا جوهريًا لضمان شرعيته ومصداقيته، ويجب أن يشمل أي اتفاق نهائي آليات تضمن أن تكون لهم الكلمة الفصل، وضمانات تحافظ على هويتهم وحقوقهم داخل مؤسسات الحكم الذاتي المستقبلية.
هذا التأكيد لا يعني إقصاءً لباقي المواطنين المغاربة المقيمين حاليًا في الأقاليم الجنوبية أو امتدادات القبائل المعنية، فمبادئ الديمقراطية والمواطنة تقتضي ضمان المشاركة السياسية لجميع المقيمين الشرعيين. لكن يجب التمييز بين الحق التاريخي المرتبط بالسكان الأصليين، وآليات الممارسة الديمقراطية المستقبلية التي يمكن أن تشمل مشاركة أوسع ضمن ضوابط قانونية، بما يضمن التوازن بين احترام الحقوق التاريخية ومتطلبات الحكامة الديمقراطية.
احترام هذه المبادئ هو الضمان الوحيد لحل عادل ودائم يحترم القانون الدولي ويستجيب لتطلعات السكان المعنيين الحقيقيين.
بادئ ذي بدء، يعتمد نجاح أي تجربة للحكم الذاتي، بشكل حاسم، على مدى توفر وجاهزية وكفاءة النخب المحلية التي ستتولى تدبير الشأن العام الجهوي. فالحكم الذاتي لا يقتصر فقط على نقل الصلاحيات والموارد من المركز إلى الجهة، بل يتطلب وجود نخب محلية مؤهلة تمتلك القدرات التقنية والمؤسساتية والبشرية لتفعيل هذا النظام وتحقيق أهدافه التنموية والديمقراطية.
الحديث عن “تأهيل النخب الصحراوية” لا يعني فقط تكوين الأطر الإدارية والموظفين العموميين، بل يتعداه إلى بناء القيادات السياسية والمجتمعية القادرة على التفاعل مع التحديات المعقدة التي تطرحها تجربة الحكم الذاتي، من قبيل إدارة التعدد الثقافي، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، والانخراط في مسارات التخطيط الاستراتيجي والتنمية الترابية.

إن الرهان على تأهيل النخب الصحراوية يشكل أحد الشروط الأساسية لإنجاح مشروع الحكم الذاتي، بما يضمن تولي أبناء المنطقة لمقاليد التدبير المحلي بأنفسهم، في انسجام تام مع روح الجهوية المتقدمة واللامركزية الديمقراطية التي تعتمدها المملكة المغربية. كما أن تمكين الكفاءات المحلية من أدوات التسيير والإدارة سيسهم في تعزيز مصداقية المشروع، وتقوية الانخراط الشعبي فيه، وقطع الطريق أمام الخطابات الانفصالية التي تستغل ضعف التأهيل أو هيمنة النخب الخارجية لتقويض شرعية التجربة.
لذلك، فإن إعداد استراتيجية وطنية شاملة لتأهيل النخب الصحراوية، تجمع بين التكوين الأكاديمي، والدعم المؤسساتي، والمواكبة التقنية، يمثل أولوية قصوى ضمن مسار تفعيل مبادرة الحكم الذاتي.


