afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

نحو تنزيل فعّال لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء: الرهانات الأممية والتحديات الراهنة


يُعد ملف الصحراء من أقدم النزاعات الإقليمية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وقد شهد مؤخراً تطورات لافتة على المستويين الدولي والدبلوماسي، ألقت بظلالها على جهود التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة ترضي كافة الأطراف المعنية. فقد أشار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، في آخر تقرير له أمام مجلس الأمن، إلى تحولات مهمة، أبرزها المشاورات الرفيعة بين المغرب والولايات المتحدة، إلى جانب المباحثات الفرنسية الجزائرية، مما يعكس تجدد الاهتمام الدولي بالملف.

ورغم أهمية هذه التحركات الدبلوماسية التي تقودها دولتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن، إلا أن القلق الأممي لا يزال قائماً حيال تصاعد التوتر بين المغرب والجزائر. دي ميستورا شدد على أن تحسن العلاقات بين البلدين يُعد شرطاً محورياً لتفادي انفجار نزاع إقليمي ستكون له انعكاسات سلبية على أمن المنطقة، ويعيق جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل سلمي.

وفي هذا السياق، حمل المبعوث الأممي ثلاث إشارات أساسية تعكس موقف الإدارة الأمريكية من القضية: أولاً، التشديد على ضرورة أن يكون مقترح الحكم الذاتي “فعلياً” وقابلاً للتطبيق، وهو ما يتطلب توضيحات موسعة من الجانب المغربي بشأن مضامين المبادرة وصلاحياتها. ثانياً، التأكيد على أهمية الوصول إلى “حل متوافق عليه” يشمل شكلاً موثوقاً من “تقرير المصير”، في إطار يحترم السيادة والوحدة الترابية. وثالثاً، إعلان واشنطن نيتها الانخراط المباشر في تيسير الحل، مما قد يمنح زخماً إضافياً للمسار السياسي، خاصة مع اقتراب الذكرى الخمسين لإدراج القضية ضمن الأجندة الأممية، الأمر الذي يضفي طابعاً استعجالياً على الجهود القائمة.

من هذا المنطلق، تُعد المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تم تقديمها عام 2007، أحد أبرز المقترحات الواقعية المطروحة، والتي حظيت بثقة مجلس الأمن واعتُبرت أرضية جدية وجديرة بالاعتبار. فهذه المبادرة تُجسّد فهماً عصرياً لمفهوم الحكم الذاتي، القائم على تحقيق التوازن بين حق السكان المحليين في تدبير شؤونهم، والحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.

انطلاقاً مما سبق، فإن تفعيل هذه المبادرة على أرض الواقع يتطلب مقاربة شاملة تُدمج بين الجوانب القانونية والدستورية، والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي هذا الإطار، تهدف هذه السلسلة التحليلية إلى تسليط الضوء على مختلف مداخل تنزيل مبادرة الحكم الذاتي في ضوء التحولات الدولية والإقليمية الراهنة، مع إيلاء أهمية خاصة للإطار الأممي باعتباره الرافعة الرئيسية لهذا المسار السياسي.

المحور الأول: المقاربة الأممية – الأساس القانوني، الوساطة الدولية، والتحديات الجيوسياسية

لا يمكن إغفال أن المرجعية الأممية تظل الإطار الأكثر شرعية لتسوية نزاع الصحراء، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الأمم المتحدة، وبالأخص مجلس الأمن، في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. فمنذ إدراج القضية ضمن أجندة المنظمة الدولية، تولت الهيئة الأممية مسؤولية الوساطة، مستندة إلى الفصلين السادس والسابع من ميثاقها، وقد شكلت قرارات مجلس الأمن المتعاقبة منذ 2007، تاريخ تقديم المغرب لمبادرته، مرجعاً توجيهياً للعملية السياسية.

تلك القرارات، من القرار 1754 إلى القرار 2756، تؤكد على ضرورة التوصل إلى “حل سياسي واقعي وعملي ودائم مبني على التوافق”، داعية الأطراف المعنية إلى الانخراط في مفاوضات بإشراف المبعوث الخاص للأمين العام. ولعل الإشادة المتكررة بالمبادرة المغربية باعتبارها “جادة وذات مصداقية”، تمثل إشارة ضمنية لتبنيها كأرضية للحل، خاصة بعد فشل السيناريوهات السابقة، وفي مقدمتها خطة الاستفتاء التي واجهت عقبات تقنية وسياسية حالت دون تنفيذها.

في هذا الإطار، يُعد دور المبعوث الشخصي جوهرياً، حيث يتولى مهمة التوفيق بين المواقف المتباينة، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية. ووفق دي ميستورا، فإن استمرار التوتر بين الرباط والجزائر يشكل عائقاً رئيسياً أمام التقدم السياسي، ما يجعل من مهامه أكثر تعقيداً، فيما تمثل تقاريره الدورية لمجلس الأمن وسيلة لتقييم المستجدات، واقتراح السبل الكفيلة بإعادة إحياء مسار التفاوض.

أما بخصوص الرسائل الأمريكية التي نقلها المبعوث الأممي، فهي تعكس نية واشنطن المساهمة في الدفع نحو تسوية نهائية، لكنها تتطلب تعاملاً دقيقاً لتفادي أي سوء تأويل. فتأكيد مبدأ “حقيقية” الحكم الذاتي، يفتح الباب أمام توسيع النقاش حول تفاصيل المشروع المغربي، في حين أن الإشارة إلى “تقرير المصير” ينبغي تأطيرها ضمن المفهوم القانوني الموسّع، الذي يشمل الحكم الذاتي كصيغة داخلية تضمن المشاركة والديمقراطية دون المساس بالسيادة الوطنية. أما إعلان الانخراط الأمريكي، فيمكن أن يشكل رافعة دبلوماسية إذا تم تنسيقه مع الأمم المتحدة، دون تقويض دورها الرئيسي كوسيط نزيه.

وفي الجانب الميداني، لا تزال بعثة “المينورسو” تواصل مهامها في مراقبة وقف إطلاق النار، رغم أن الهدف الأصلي لإنشائها (تنظيم الاستفتاء) لم يتحقق. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه دور البعثة ضمن رؤية جديدة، تنسجم مع المعطيات الحالية ومع مشروع الحكم الذاتي كخيار واقعي ومقبول.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد