معتوه الضمير
لكل الذين أخبرونا: ” أن عطرهم فرنسي، ولباسهم تركي وأحذيتم إيطالية، وساعاتهم سويسرية، وحديثهم موعظة في الماضي وتذكرة للمستقبل .
لم يفضحهم، لا صبرنا في الإستماع لمحاضراتهم الغنية بالأحاجي والحكايات والألغاز، كما لم يكن في مخيالنا الحالم الصغير شئ يفوق ماتحلم به عامة الناس من تشيد ديور الدنيا الإسمنتية، وسيارة متواضعة من صنع الغرب الحاذق أو حتى الشرق المفلس، ومرأة تجمع شتات شهوتنا وتقتل أسطورة الحب فينا لِتُشَيئهُ إلى إلتزام ومسؤولية في ثكنة عسكرية أسرية يجمعها مصالح البقاء على قيد الحياة.
فلم يترك لنا الزمن متسعا من الوقت لتقييم ما اخبرونا به، هل يدخل من باب الحكمة ؟ او سوق الأماني المؤجلة الى الغد الذي لم ياتي بعد ؟. فما أطلعنا به الزمن! ، كان مُوقعاً بنا في الوجيعة وإعادة النظر في عمق ما أخذنا عن الناس من النصح والنصيحة، بحماس في أغلب الأوقات وبحمق مبرر وبسذاجة ملفوفة بِتنشئةٍ عمادها حسن الظن بالعباد دون النبش في البواعث.
فكنا نصادف الأحمق، والمتوهم، والحالم، والمتعثر، والبائس، والمنحط، والحاقد، والساخط… وكل من يهب علينا في غمرة جلسة شاي أو طاولة قهوة سوداء مستديرة نشاطره حسن الإنصات بدافع الاحترام أو الخجل أو الرهبة وبأي عذر نعلمه أو نجهله الان.
لكن دروس الدهر أبانت لهم، كما أوضحت لنا. أن الامر تم وضعه في ميزان الأيام لِتزِن صاحبة الأمر مقدارها الذي جنتهُ من مَدِ يدها على عربة الحياة المتجهة في صمت نحو كسر عداد حياتنا على مذبحة الزمن الصامت التي لم تكن لتحفل بخطبهم العصماء ولا أمانيهم الجوفاء .
دروس الدهر، دروس تظهر في الزمن بتَغَيُّرِ الأحوال من حال إلى حال، وليس بإستنساخ خطب خرقاء تعيد اخطاء الأمس بإنتظار الغد ، فالكل معني والكل معتوه والكل هو: انا، وانتَ، وانتِ.


